مقـــــــدمة …
تمثل فترة الامتحانات محطة حاسمة في حياة الطلاب، حيث تتصاعد الضغوط وتزداد مستويات التوتر والقلق. إنه وقت يتطلب تركيزًا ذهنيًا عالياً واستعدادًا جيدًا. لكن بالنسبة لبعض الطلاب، يتجاوز هذا القلق حدود الطبيعي ليتحول إلى معركة داخلية شرسة مع اضطراب الوسواس القهري (OCD). هذا الاضطراب يتميز بأفكار متطفلة ومقلقة (وساوس) تغزو العقل بإلحاح، مما يدفع الشخص للقيام بسلوكيات متكررة (قهور) في محاولة يائسة للتخفيف من هذا القلق. في هذا المقال، سنتناول كيف يمكن أن يتجلى الوسواس القهري تحديدًا في سياق الخوف من الامتحانات، وكيف يؤثر على حياة الطلاب، وما هي سبل كسر هذه الدائرة المؤلمة من خلال العلاج المتخصص والأنشطة والتدريبات العملية .
الامتحانات كحافز للوساوس والقهور :
يمكن لضغوط الامتحانات أن تكون بمثابة محفز قوي لظهور أو تفاقم أعراض الوسواس القهري لدى الأفراد المعرضين لذلك. فالخوف من الفشل، والقلق بشأن الأداء، والشك في الاستعداد، كلها أرض خصبة لتنمو فيها الأفكار الوسواسية المتعلقة بالدراسة والاختبارات. قد تبدأ الوساوس بأفكار بسيطة حول “ماذا لو لم أدرس بما فيه الكفاية؟” لكنها سرعان ما تتطور لتصبح شكوكًا مرضية ومستمرة، مصحوبة بصور ذهنية سلبية عن الرسوب والعواقب الوخيمة.
هذه الوساوس تدفع الطلاب إلى الانخراط في قهور تهدف إلى تهدئة هذا القلق المتزايد. فقد يلجأ الطالب إلى مراجعة المواد الدراسية بشكل قهري لساعات طويلة، حتى بعد استيعابها جيدًا، خوفًا من نسيان معلومة واحدة قد تكون حاسمة. وقد يتطور الأمر إلى إعادة كتابة الملاحظات والملخصات مرارًا وتكرارًا، أو البحث القهري عن معلومات إضافية للتأكد من الإلمام بكل التفاصيل الصغيرة. حتى بعد الانتهاء من الامتحان، قد تلاحق الطالب وساوس الشك في إجاباته، مما يدفعه إلى تذكر الامتحان وتحليله بشكل قهري، والشعور بالحاجة إلى التأكد من إجاباته من مصادر مختلفة .

التأثير المدمر على الأداء والحياة :
إن هذه الدورة المستمرة من الوساوس والقهور تستنزف طاقة الطالب ووقت، وتجعله أسيراً لقلق لا ينتهي. فبدلاً من استغلال الوقت المتاح للدراسة بفعالية، يجد الطالب نفسه عالقًا في طقوس قهرية تعيق تركيزه واستيعابه للمعلومات. كما أن القلق المفرط المصاحب للوسواس القهري يمكن أن يؤدي إلى صعوبات في النوم، وفقدان الشهية، وزيادة مستويات التوتر، مما يؤثر سلبًا على الصحة الجسدية والنفسية للطالب. وفي نهاية المطاف، قد يؤدي هذا الخوف المرضي من الفشل إلى تجنب الامتحانات تمامًا أو الأداء دون المستوى الحقيقي لقدرات الطالب، مما يزيد من شعوره بالإحباط واليأس .
كسر القيود نحو التعافي والسيطرة (بالعلاج والأنشطة العملية) :
لحسن الحظ، فإن الوسواس القهري ليس قدرًا محتومًا، وهناك طرق فعالة للتعامل معه واستعادة السيطرة على الحياة. العلاج المتخصص هو حجر الزاوية في هذه العملية، حيث يعتبر العلاج السلوكي المعرفي (CBT)، وخاصة تقنية التعرض ومنع الاستجابة (ERP)، من أكثر العلاجات فعالية في مساعدة الأفراد على مواجهة وساوسهم وتقليل حاجتهم للقيام بالقهور. وفي بعض الحالات، قد يوصي الطبيب النفسي بتناول الأدوية للمساعدة في تخفيف الأعراض.
إلى جانب العلاج المتخصص، يمكن دمج العديد من الأنشطة والتدريبات العملية في الروتين اليومي للمساعدة في التخلص من المشاعر السلبية المصاحبة للوسواس القهري والخوف من الامتحانات.
أولًا :من المهم تحديد وتسمية المشاعر التي تنتاب الطالب تجاه الامتحانات. تخصيص بضع دقائق يوميًا لكتابة هذه المشاعر أو التحدث عنها بصوت عالٍ يساعد في فهمها وتقليل حدتها. ثانيًا :تعلم وممارسة تقنيات الاسترخاء والتنفس العميق، مثل التنفس البطني أو الاسترخاء العضلي التدريجي، يمكن أن يهدئ الجهاز العصبي ويقلل من الاستجابة الجسدية للتوتر والقلق عند الشعور بتصاعدهما .
ثالثًا : تحدي وإعادة صياغة الأفكار السلبية التلقائية المتعلقة بالامتحانات أمر بالغ الأهمية. يمكن للطالب طرح أسئلة على نفسه حول مدى واقعية هذه الأفكار ومحاولة استبدالها بأخرى أكثر توازنًا وإيجابية .
رابعًا : ممارسة اليقظة الذهنية والتركيز المتعمد على اللحظة الحالية دون إصدار أحكام يساعد في تقليل الاجترار للأفكار الوسواسية والقلق بشأن المستقبل. يمكن البدء بتمارين بسيطة لملاحظة الأنفاس أو الأصوات المحيطة .
خامسًا : تخصيص وقت يوميًا لممارسة الأنشطة الممتعة والمريحة، مثل القراءة أو الاستماع إلى الموسيقى أو ممارسة الهوايات، يساعد في تشتيت الانتباه وتخفيف التوتر وتحسين المزاج العام .
سادسًا : تحديد أهداف دراسية واقعية وتقسيم المهام الكبيرة إلى خطوات أصغر يعزز الشعور بالسيطرة والإنجاز ويقلل من الشعور بالإرهاق. ولا يقل أهمية
سابعًا : التواصل وطلب الدعم من الأصدقاء أو العائلة أو المرشد النفسي، والانضمام إلى مجموعات الدعم إذا لزم الأمر.
وأخيرًا، يمكن ثامنًا :كتابة المخاوف المتعلقة بالامتحانات على ورقة والتخلص منها رمزيًا (بتمزيقها أو حرقها بأمان) أن يوفر إحساسًا بالتنفيس والتحكم في المشاعر السلبية .

ختـــــــــاما ….
إن معركة الوسواس القهري في ظل ضغوط الامتحانات هي معركة خفية يعاني منها الكثيرون بصمت، وغالبًا ما يتم الخلط بينها وبين مجرد قلق الامتحانات العادي. لكن من الضروري التمييز بينهما وإدراك أن الوسواس القهري هو اضطراب حقيقي يتطلب فهمًا ودعمًا وعلاجًا متخصصًا. من خلال طلب المساعدة من المختصين، وتبني استراتيجيات فعالة للتعامل مع الوساوس والقهور، ودمج الأنشطة والتدريبات العملية في الحياة اليومية .
يمكن للطلاب المصابين بهذا الاضطراب كسر هذه القيود واستعادة السيطرة على حياتهم وتحقيق إمكاناتهم الكاملة، بغض النظر عن نتائج الامتحانات. فلنعمل معًا على زيادة الوعي بهذا الاضطراب وتقديم الدعم اللازم لكل من يخوض هذه المعركة الشاقة، مؤكدين لهم أن التعافي ممكن وأنهم ليسوا وحدهم .
فاطمة حسان … استشاري بالمعهد العربي للاعتماد

