حين يتحول الحب إلى عكاز – أنت بين الاتكاء والسقوط
بقلم استشاري / دعــــــــاء على


مخطط الشخصية الاعتمادية وعلاقته بالعلاقات التعويضية (خاصة في الحب) ..

مقـــــــــــدمة …

كثير من الأشخاص يدخلون العلاقات وفي داخلهم جرح قديم لم يلتئم بعد جرح مرتبط بالحرمان من الأمان، أو فقدان الاحتواء، أو الشعور الدائم بعدم القدرة على الاعتماد على الذات، هذا الجرح لا يختفي مع مرور الزمن، بل يتخفّى في صورة “مخطط” يُعيد تشكيل العلاقات بطريقة غير واعية، أحد هذه المخططات هو مخطط الاعتمادية، الذي يظهر بوضوح في العلاقات التعويضية فيما بعد .

ما هو مخطط الاعتمادية ؟

مخطط الاعتمادية (Dependency Schema) هو نمط داخلي يجعل الشخص يشعر أنه غير قادر على تسيير حياته أو اتخاذ قراراته بدون وجود الآخر، هو أشبه بطفل داخلي يبحث باستمرار عن “راشد خارجي” يعتمد عليه: في الدعم، التوجيه، وحتى في تقرير ما هو صواب أو خطأ .
هذا المخطط عادة يتكوّن في بيئة لم تسمح للفرد بالنمو النفسي السليم :
إما بسبب والد/ة مسيطر أكثر من اللازم .
أو والد/ة غائب/ة عاطفيًا فلم يمنح للطفل الثقة ليجرب ويخطئ ويقوّم بأمان .
أو بسبب الحرمان من الأمان والاستقلالية في مرحلة الطفولة .

السمات الأساسية :

⚛︎ الخوف المستمر من الهجر .
⚛︎ الشعور بالعجز أمام المواقف اليومية .
⚛︎ تضخيم دور الشريك ورؤية العلاقة كمسألة حياة أو موت .
⚛︎ التضحية المفرطة للحفاظ على الآخر.
⚛︎ تأجيل النضج النفسي والبقاء في موقع “الطفل المحتاج” .

إشكالية العلاقات التعويضية :
رغم ما يبدو من قوة هذه العلاقات، إلا أنها هشة من الداخل لأنها مبنية على الاحتياج لا على الاختيار الحر، وبالتالي فإنها تنهار سريعًا مع أول صدمة أو تهديد بالانفصال .

الاعتمادية والعلاقات التعويضية :

العلاقة التعويضية هي علاقة يدخلها الفرد ليُعوّض حرمانًا قديمًا، بمعنى :
بدل أن يواجه فراغه الداخلي ويتعلم كيف يسدّه من الداخل، يبحث عن شخص آخر ليملأ هذا الفراغ .
يصبح الطرف الآخر بمثابة “العكاز” الذي يستند عليه ليشعر أنه قادر على الاستمرار. في هذه الحالة :
الاعتمادي يرى في شريكه صورة “المنقذ” أو “المخلّص”.
أي إشارة لغياب هذا الشريك (حتى لو انشغل قليلاً) تثير بداخله قلقاً هائلاً وخوفاً من الانهيار .
العلاقة تتحول من مساحة للنمو المتبادل إلى مساحة للسيطرة أو الاستنزاف العاطفي .

الملامح النفسية للشخصية الاعتمادية في العلاقات التعويضية :

1️⃣ الخوف من الهجر: يعيش الشخص في حالة يقظة دائمة خوفاً من أن يتركه الآخر .
2️⃣ تضخيم دور الآخر: يرى أن قراراته غير مكتملة إلا بموافقة الطرف المقابل .
3️⃣ تضحية زائدة: يقدم تنازلات مبالغ فيها حتى لا يخسر العلاقة .
4️⃣ تأجيل النضج: يبقى في حالة “طفولة نفسية” بدلاً من تحمل المسؤولية .
5️⃣ الشعور بالعجز: في غياب الآخر يفقد توازنه ويشعر بأنه “لا شيء” .

لماذا العلاقة التعويضية غير مُشبعة ؟

لأنها قائمة على احتياج أكثر من كونها قائمة على حب ناضج .
الاحتياج يجعل العلاقة أشبه بالصفقة: “أنت تمنحني الأمان، وأنا أظل معك” .
بينما الحب الناضج يقوم على الاختيار الواعي: “أنا أختارك لأنني أريدك، لا لأنني لا أستطيع العيش بدونك” .
وبالتالي فالعلاقة التعويضية قد تبدو قوية من الخارج، لكنها هشة من الداخل، تنهار مع أول اختبار جدي .

كيف نكسر مخطط الاعتمادية ؟

1️⃣ الوعي بالمخطط : إدراك أن البحث عن “منقذ” خارجي ليس حلًا دائمًا .
2️⃣ العودة للطفل الداخلي : منح الذات ما لم تحصل عليه قديمًا: الأمان، التشجيع، الثقة .
3️⃣ تعلّم الاستقلالية : تدريب النفس على اتخاذ قرارات صغيرة بشكل مستقل، لتقوية عضلة الاعتماد على الذات .
4️⃣ العلاقات الصحية : الدخول في علاقات تقوم على التكامل لا على التعويض .
5️⃣ العلاج النفسي : يساعد الشخص على إعادة برمجة أفكاره ومعتقداته حول نفسه وحول معنى الحب والدعم .

ختــــــــــاما ….

مخطط الاعتمادية في العلاقات التعويضية هو سجن خفي، يربط الفرد بسلاسل الخوف والعجز، بينما يظن أنه يعيش في حب، الحقيقة أن التحرر يبدأ عندما يدرك أن الأمان الحقيقي لا يُستعار من الآخر، بل يُبنى من الداخل، عندها فقط تتحول العلاقة من “تعويض” إلى “تواصل ناضج”، ومن “احتياج” إلى “اختيار واعٍ” .

استشاري / دعـــــــــأء علي … استشاري بالمعهد العربي للاعتماد 

 

التعليقات معطلة.