القدوة الغائبة : أزمة النمو الأخلاقي في زمن المشاهير
بقلم دكتورة : أمانى سمير الضوى


في زمن تتسارع فيه التحولات وتتشابك فيه المفاهيم، أصبح تأثير المشاهير يفوق أحيانًا تأثير المربين والعلماء وأصحاب الفكر. لم يعد الطفل أو المراهق اليوم يبحث عن “القدوة الصالحة” بقدر ما يبحث عن “النموذج المشهور”، حتى وإن كان هذا النموذج لا يحمل من القيم إلا بريق المظهر وسرعة الانتشار. وبينما كانت الأجيال السابقة تستلهم من العلماء والمصلحين والآباء رموزها العليا، باتت الأجيال الجديدة تتابع المؤثرين على الشاشات الصغيرة، وتتشكل قناعاتها من مقاطع قصيرة لا تتجاوز ثوانٍ، لكنها تغرس أثرًا أعمق من آلاف النصائح .

لقد تحوّل مفهوم “القدوة” من أن يكون قيمةً أخلاقية وتربوية، إلى سلعة إعلامية تُقاس بالمتابعين والإعجابات. هذا التحول لم يأتِ من فراغ، بل من واقعٍ تغيّر فيه معنى النجاح ذاته؛ فبدلًا من أن يكون النجاح ثمرة جهدٍ أو علمٍ أو عطاء، أصبح مرادفًا للشهرة السريعة والظهور المتكرر. وهكذا بدأت أزمة النمو الأخلاقي تتسلل إلى وعي الأجيال الجديدة، فيتراجع الإيمان بالمعايير الثابتة ليحلّ محلّه الإعجاب بالمظاهر العابرة .

ولعلّ أخطر ما في هذه الظاهرة أن الطفل والمراهق يجد نفسه أمام تناقضٍ حادّ بين ما يسمعه في البيت والمدرسة من قيم، وما يراه في العالم الرقمي من رموزٍ تتفاخر بما يناقض تلك القيم. فحين يُكافأ من يثير الجدل، ويُهمّش من يتمسّك بالمبدأ، تتشوّه البوصلة الأخلاقية، ويصبح التقليد والانبهار سلوكًا جمعيًا لا وعي فيه ولا تمييز .

إن غياب القدوة لا يعني فقط اختفاء الشخصيات المُلهمة، بل يشير إلى أزمةٍ أعمق: أزمة وعيٍ مجتمعي فقد القدرة على التمييز بين من يستحق المتابعة ومن يستغلها. وفي هذا الفراغ القيمي، يصبح الشباب أكثر عرضة للتأثر بالمؤثرين الذين يقدّمون المتعة السريعة بدلاً من المعنى العميق، فيغدو الانتماء لثقافة “الترند” أقوى من الانتماء للمبادئ .

ومع ذلك، لا ينبغي أن ننظر إلى الواقع بتشاؤمٍ مطلق، فثمة نماذج إيجابية كثيرة تُثبت أن الإعلام الرقمي يمكن أن يكون أيضًا ساحةً لصناعة القدوة الصالحة، شرط أن تُدعم هذه النماذج وتُسلّط عليها الأضواء. إن المسؤولية هنا لا تقع على المراهق وحده، بل على الأسرة والمدرسة والإعلام معًا، لبناء وعي نقدي يمكّن الناشئة من التفرقة بين الشهرة الحقيقية القائمة على القيمة، وتلك الزائفة التي تعيش على الضجيج .

 

وفي مجمل الأمر، لم تعد مهمة المربي اليوم أن يمنع أبناءه من متابعة المشاهير، بل أن يعلّمهم كيف يُحلّلون ما يرونه، وكيف يميّزون بين المضمون الفارغ والرسالة الهادفة. فالمناعة الفكرية لا تُبنى بالمنع، بل بالفهم، ولا تُغرس بالخوف، بل بالوعي.

فالحقيقة أن التطرّف في أي اتجاه – رفضٌ تام لكل مؤثر، أو انبهار أعمى بكل ما يُقدَّم – يخلق خللًا في الوعي الأخلاقي. إن التربية المتوازنة هي التي تفتح الأبواب دون أن تفقد السيطرة على الاتجاه، وتعلّم الأبناء أن الحرية مسؤولية، وأن اختيار القدوة قرار أخلاقي قبل أن يكون انفعالًا عاطفيًا .

وختــــــــامًا، إن غياب القدوة لا يعني نهاية القيم، بل دعوة لإعادة إحيائها في قلوب الناس قبل وسائل الإعلام. فالمجتمعات التي تفقد قدوتها لا تفقد أخلاقها دفعة واحدة، بل تذبل ببطء حين يتوقف الكبار عن أن يكونوا مصدر إلهامٍ للصغار .
إن بناء جيلٍ يملك وعيًا أخلاقيًا في زمن الانبهار لا يتطلّب وعظًا أو تحريمًا، بل يحتاج إلى نموذجٍ حقيقي يُرى قبل أن يُقال، وإلى تربيةٍ تُعيد للأب والأم والمعلم مكانتهم الطبيعية كمرآةٍ للسلوك الراقي والضمير الحي. فحين تعود القدوة إلى موقعها، يعود المعنى إلى التربية، وتستعيد القيم حضورها في وجدان الأجيال .

بقلم : دكتورة / أمانى سمير الضوى 
استشاري أسري وتربوي
استشاري بالمعهد العربي للاعتماد
مدرب بالنقابة العامة لمدربي التنمية البشرية

 

التعليقات معطلة.