من المؤتمرات إلى الهيمنة : فجوة التأثير بين العالم العربي والغرب
بقلم الدكتور / ياسر قطب


مقــــــــــــدمة …

في زمن تتسارع فيه التحولات العالمية، وتتنافس فيه الأمم على بناء أدوات التأثير والهيمنة، لم يعد الحضور في المشهد العلمي أو المشاركة في المؤتمرات كافيًا إن لم يُترجم إلى وعي استراتيجي، وتأثير واقعي، ونتائج ملموسة.
لقد حضرت وشاركت في مؤتمرات متعددة، وخرجت ممتنًا لما سمعته، ومتشرفًا بما قدّمت، لكن بقي سؤال يؤرقني: هل نُحدث فرقًا، أم نُكرر الخطاب ؟
ومن هنا، أكتب هذا المقال، لا لأقدّم نقدًا مجردًا، بل دعوة جادة لمراجعة موقع المؤتمرات العربية من مشروع النهضة والسيادة المعرفية .

من الاحتفاء إلى السؤال

في العالم العربي، تُعقد آلاف المؤتمرات والملتقيات الفكرية والعلمية سنويًا. تُعلَّق اللافتات، وتُفتَتح القاعات، وتُقدَّم الأوراق… ويُحتفى بهذا الزخم الكمي على أنه دليلُ حيويةٍ فكرية.
لكن شيئًا فشيئًا، يتزايد التساؤل الجاد :
أين الأثر؟ وأين موقع هذه المؤتمرات من مشروع النهضة العربية ؟

ففي حين تُعقد المؤتمرات الغربية بوصفها أدوات استراتيجية لتوجيه القرار، وصناعة السياسات، وتشكيل الرأي العام العالمي، لا تزال كثير من المؤتمرات العربية أسيرة الطابع الاحتفالي، أو النشر من أجل الترقية، دون أثر ممتدّ يتجاوز يوم الاختتام .
إن المقارنة لا تهدف إلى جلد الذات، بل إلى تحريك العقل العربي لسؤال أهم :
هل نُنتج المؤتمرات لنُعلن أننا موجودون، أم لنُصنع من خلالها واقعًا نُريد أن نكون فيه ؟
من هنا، يحاول هذا المقال تحليل الفجوة بين الشكل والمضمون، بين الحضور والتأثير، بين الخطاب والقرار، عبر قراءة مقارنة بين المؤتمرات في العالم العربي ونظيرتها في الغرب، مدعومة بإحصاءات واقعية وأمثلة تطبيقية، وانتهاءً برؤية إصلاحية نحو مؤتمر أكثر وعيًا، وأبعد أثرًا.

أولًا : قراءة في الأرقام

⏺︎ العالم العربي :

⚛︎ أكثر من 52,000  ورقة بحثية سنويًا (Scopus, 2023) .
⚛︎ نحو 4,000–6,000  مؤتمر سنويًا، معظمها داخل الجامعات أو جمعيات علمية.
⚛︎ نسبة الأوراق ذات التأثير العالي لا تتجاوز 4% .

⏺︎ العالم الغربي :

⚛︎ الولايات المتحدة تنتج أكثر من 500,000 ورقة علمية سنويًا، منها ما يفوق 30% يصنّف في نطاق “الأبحاث المؤثرة” .
⚛︎ أكثر من 10,000 مؤتمر سنويًا في مختلف المجالات .
⚛︎ تُموَّل الأبحاث والمؤتمرات من مراكز تفكير مرتبطة مباشرة بصناعة القرار  (Brookings, NSF, CFR…)

ثانيًا : من التوصيات إلى السياسات

العالم العربي الغرب المحور
ضعيف ² قوي ⁽¹⁾ الأثر على الواقع
نادرة ⁽⁴⁾ دائمة ⁽³⁾ المتابعة
محدود وأكاديمي ⁽⁶⁾ كبير واستراتيجي ⁽⁵⁾ التمويل
ضعيف ⁽⁸⁾ متين ⁽⁷⁾ ربط الأبحاث بالقرار
رمزي غالبًا ¹⁰⁾ جوهري وأساسي ⁽⁹⁾ الحضور السياسي

الهوامش التوثيقية :

⁽¹⁾ WEF Davos Reports (2023) – مؤتمر دافوس وتأثيره على سياسات الاقتصاد العالمي.
⁽²⁾ ALECSO (2021) – تقارير تقييم المؤتمرات العربية وأثرها المنخفض على السياسات.
⁽³⁾ Brookings Institution (2022) – تقارير متابعة ما بعد المؤتمرات الأمريكية.
⁽⁴⁾ جامعة الدول العربية – تقارير مؤتمرات 2019–2023 (غياب لجان تنفيذية فعالة).
⁽⁵⁾ NeurIPS Sponsorship Report – دعم Google وMicrosoft لمؤتمرات الذكاء الاصطناعي.
⁽⁶⁾ تقارير تمويل المؤتمرات العربية الجامعية – UNESCO Science Report 2021 .
⁽⁷⁾ CFR Strategy Papers – ربط مراكز الأبحاث بالكونغرس الأمريكي.
⁽⁸⁾ غياب التشريعات المنظمة لربط البحث بالسياسات – تقرير وزارة التعليم العالي الأردنية.
⁽⁹⁾ Davos – حضور أكثر من 50 رئيس دولة سنويًا.
⁽¹⁰⁾ المشاركة الرمزية للوزراء في المؤتمرات العربية – ملاحظات موثقة في تقارير ALECSO.

مقارنة بين أثر المؤتمرات في العالم العربي والغرب – مع التوثيق

               العالم العربي /  التوثيق                          الغرب / التوثيق المحور
معظم المؤتمرات العربية تنتهي بتوصيات نظرية لا تُحوَّل إلى سياسات أو مشاريع تنفيذية. ⁃ راجع تقارير ALECSO وتقارير تقييم مؤتمرات التعليم والبحث العلمي في الوطن العربي. المؤتمرات الغربية مثل منتدى دافوس ومؤتمر ميونيخ للأمن تُسفر عن نتائج مباشرة تُعتمد كسياسات دولية. ⁃ مثال: توصيات مؤتمر COP أصبحت جزءًا من سياسات مناخية في الاتحاد الأوروبي. الأثر على الواقع
نادرًا ما تصدر لجان أو مؤسسات عربية تقارير متابعة بعد المؤتمرات. التوصيات غالبًا تُحفظ في أرشيف، ولا يتم تقييم الأثر لاحقًا. في مؤسسات مثل NSF، Brookings، CFR، يتم إصدار “تقرير متابعة” بعد المؤتمر، وفتح مشاريع تنفيذية بناءً على نتائجه. المتابعة
المؤتمرات العربية تعتمد غالبًا على تمويل أكاديمي محدود من الجامعات أو النقابات، ولا تشارك فيها مراكز أبحاث مستقلة تمويليًا إلا نادرًا. التمويل في المؤتمرات الغربية يأتي من شراكات استراتيجية بين الجامعات، الحكومات، والقطاع الخاص. ⁃ مثال: مؤتمرات الذكاء الاصطناعي مثل NeurIPS وICLR تمولها شركات كبرى مثل Google وMicrosoft. التمويل
في الدول العربية، لا توجد آلية مؤسسية فعالة لربط الباحثين وصنّاع القرار. المشاركات تكون في غالبها رمزية أو علاقات عامة فقط. في الولايات المتحدة وأوروبا، تُربط مراكز الأبحاث والمؤتمرات مباشرة بصنّاع القرار. ⁃ مثال: أوراق RAND Corporation وBrookings تُرسل مباشرة إلى مراكز اتخاذ القرار. ربط الأبحاث بالقرار
في المؤتمرات العربية، يحضر المسؤولون غالبًا الجلسة الافتتاحية فقط، وتكون مشاركتهم رمزية دون انخراط فعلي في النقاشات أو صياغة المخرجات. المؤتمرات الكبرى في الغرب يحضرها رؤساء دول، وزراء، مدراء شركات، ويُعلن منها عن سياسات ومبادرات دولية. ⁃ مثال: دافوس يحضره سنويًا أكثر من 50 رئيس دولة. الحضور السياسي

ثالثًا : الأمثلة الدالة

⚛︎ في الغرب :
مؤتمر NeurIPS في الذكاء الاصطناعي أثمر عن تقنيات استخدمتها OpenAI وGoogle.
منتدى دافوس يصيغ سياسات اقتصادية عالمية .

⚛︎ في الوطن العربي :
تعقد مؤتمرات عن الذكاء الاصطناعي والحوكمة، لكن تظل المخرجات في الأرشيف دون متابعة أو تبنٍّ رسمي أو تطبيقي .

رابعًا : ما الحل؟ من المؤتمر الحدث إلى المؤتمر الأداة

لم يعد كافيًا أن يُعقد المؤتمر لعرض أوراقٍ أو تجميع توقيعات حضور… بل يجب أن يتحول إلى أداة تغيير فعّالة تستثمر العقول وتُنتج الفعل .
ولتحقيق ذلك، يجب إعادة تصميم المؤتمر من جذوره، على النحو الآتي :
1️⃣ تحويل هدف المؤتمر من الترويج للمعرفة إلى إنتاج القرار والأثر. فليس المطلوب تراكم أوراق، بل ولادة مبادرات وتغييرات ملموسة .
2️⃣ إشراك صناع القرار منذ لحظة التخطيط . لأن غياب أصحاب القرار عن مراحل التصميم والنقاش يجعل التوصيات حبرًا على ورق .
3️⃣ تخصيص ميزانية تنفيذ لا تقل أهمية عن ميزانية التنظيم. لأن قيمة المؤتمر تُقاس بما يحدث بعده، لا خلاله فقط .
4️⃣ إنشاء لجان تنفيذية وتقييم دوري لمخرجات كل مؤتمر. المؤتمر بلا لجنة متابعة هو صدى صوت لا يتجاوز القاعة .
5️⃣ تطبيق نموذج “أثر ما بعد المؤتمر” خلال 3–6 أشهر. بقياس : هل نُفّذت توصيات؟ هل تغيّرت سياسات؟ هل وُلدت شراكات؟ فالأثر الحقيقي ليس في البيان الختامي… بل في التحول المؤسسي الذي يتبعه .

ختـــــــــاما ….

من شكل المؤتمر… إلى أثره

لم يُخلق المؤتمر ليكون مناسبة احتفالية… بل أداة استراتيجية للتغيير والتأثير .
ليس الهدف أن نملأ القاعات، بل أن نحرك الواقع .
الفرق بيننا وبين الغرب لم يكن يومًا في عدد الأوراق، بل في تحويل كل ورقة إلى مشروع، وكل توصية إلى قرار، وكل فكرة إلى أداة نهضة وسيادة.
إن حجم الفجوة بين الحضور العربي في المؤتمرات، والتأثير العربي في السياسات، يكشف لنا أن المعركة ليست في الحضور… بل في ما بعد المؤتمر .
آن الأوان أن ننتقل من منطق العرض إلى منطق الفعل ،
من الانبهار بالكمّ… إلى الاستثمار في الأثر ،
من مؤتمر يُنظّم كل عام… إلى مؤتمر يُنتج قرارًا يُغيّر مسار أمة .
وإن لم يكن المؤتمر نقطة انطلاق نحو واقعٍ أذكى، وتنمية أكثر شمولًا، وقرارٍ أكثر سيادة…
فربما آن الأوان أن نعيد تعريفه من جديد .

المــراجــــــــــــع …

  1. UNESCO. (2023). Science Report: The Race Against Time for Smarter Development. United Nations Educational, Scientific and Cultural Organization.
    https://www.unesco.org/reports/science/2023
  2. Nature Index. (2023). Global scientific performance rankings. Springer Nature.
    https://www.nature.com/nature-index/
  3. Scopus Database. (2024, June). Global research output statistics. Elsevier.
    https://www.scopus.com
  4. NeurIPS. (2022–2023). Conference Proceedings on Neural Information Processing Systems.
    https://papers.nips.cc
  5. Brookings Institution. (2023). Policy Impact Reports from Conferences and Think Tanks.
    https://www.brookings.edu
  6. Council on Foreign Relations (CFR). (2023). Annual Strategy Papers and Event Summaries.
    https://www.cfr.org
  7. National Science Foundation (NSF). (2022). U.S. Scientific Indicators and Research Funding.
    https://ncses.nsf.gov/pubs/nsb20244
  8. Elzubeir, M. (2022). Arab scientific research productivity: A critical review. Journal of Arab Higher Education, 14(2), 77–91.
  9. Pew Research Center. (2023, November). Americans’ trust in scientists and medical scientists continues to decline.
    https://www.pewresearch.org/science/2023/11/14/americans-trust-in-scientists-positive-views-of-science-continue-to-decline/
  10. Gallup & Lumina Foundation. (2023). Americans’ confidence in higher education drops sharply.
    https://news.gallup.com/poll/508352/americans-confidence-higher-education-down-sharply.aspx
  11. Arab Barometer. (2022). 7th Wave Survey Findings: Public Opinion in the Arab World.
    https://www.arabbarometer.org
  12. World Economic Forum. (2023). Annual Davos Reports: Global Agenda.
    https://www.weforum.org

دكتور / ياسر قطب … خبير الإدارة والقيادة والصحة النفسية – المعهد العربي للاعتماد ووكيل المعهد العربي للاعتماد – دولة قطر


التعليقات معطلة.